أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
52
العقد الفريد
قولهم في الخيل الأصمعي قال : سمعت أعرابيا يقول : خرجت علينا خيل مستطيرة النقع « 1 » ، كأنّ هواديها « 2 » أعلام . وآذانها أطراف أقلام ؛ وفرسانها أسود آجام . أخذ هذا المعنى عدي بن الرقاع فقال : يخرجن من فرجات النقع دامية * كأنّ آذانها أطراف أقلام وقال أعرابي : خرجنا حفاة حين انتعل كلّ شيء بظلّه ، وما زادنا إلا التوكل ولا مطايانا إلا الأرجل ؛ حتى لحقنا القوم . وذكر أعرابي فرسا وسرعته ؛ فقال : لما خرجت الخيل أقبل شيطانا في أشطان ، فلما أرسلت لمع لمع البرق ؛ فكان أقربها « 3 » إليه الذي تقع عينه [ من بعد ] عليه . وقال أعرابي في فرس الأعور السلمي : مرّ كلمع البرق سام ناظره * يسبح أولاه ويطفو آخره فما يمسّ الأرض منه حافره سئل أعرابي عن سوابق الخيل ، فقال : الذي إذا مشى ردى « 4 » ، وإذا عدا دحا « 5 » ؛ وإذا استقبل أقعى ، وإذا استدبر جبّى « 6 » ، وإذا اعترض استوى . وذكر أعرابي خيلا ؛ فقال : واللّه ما انحدرت في واد إلا ملأت بطنه ، ولا ركبت بطن جبل إلا أسهلت حزنه . وقال أعرابي : خرجت على فرس يختال اختيال النّشوان ، نسوف للحزام ؛ مهارش للجام ؛ فما متع « 7 » النهار حتى أمتعنا برف ورفاهة .
--> ( 1 ) النقع : الغبار الساطع . ( 2 ) هواديها : أعناقها . ( 3 ) أقربها ، أي أقرب الخيل . ( 4 ) الرديان : أن يرجم الأرض رجما ، بين المشي الشديد والعدو . ( 5 ) دحا دحوا ، أي رمى الفرس في سيره بيديه لا يرفع سنبكه عن الأرض . ( 6 ) جبى : انكب على وجهه . ( 7 ) متع النهار : ارتفع وبلغ غاية ارتفاعه قبل الزوال .